مقال
لماذا لا يُطفئ التنفيس نار الغضب؟ | د. ناصر الفريح
لماذا لا يُطفئ التنفيسُ نارَ الغضب ؟ تعالَ أكشف لك أسطورةً صدّقناها طويلًا — وأدلّك على ما يُطفئ الغضب فعلًا بقلم د. ناصر الفريح · دعني أبدأ معك بمشهدٍ قد تعرفه: تدخل غرفةً مبطّنة، تمسك مطرقةً ثقيلة، ثم تنهال تحطيمًا على…

لماذا لا يُطفئ التنفيسُ نارَ الغضب؟
تعالَ أكشف لك أسطورةً صدّقناها طويلًا — وأدلّك على ما يُطفئ الغضب فعلًا
بقلم د. ناصر الفريح ·
دعني أبدأ معك بمشهدٍ قد تعرفه: تدخل غرفةً مبطّنة، تمسك مطرقةً ثقيلة، ثم تنهال تحطيمًا على كلّ ما أمامك حتى تتصبّب عرقًا. يسمّونها «غرفة الغضب»، ويدفع الناس المال ليُفرّغوا فيها غيظهم. وربما لا تحتاج غرفةً أصلًا؛ فكم مرّةً قال لك أحدهم: «نفّس عن غضبك»، «أخرِج ما في صدرك»، «لا تكبت مشاعرك»؟
تبدو النصيحةُ مريحة، أليس كذلك؟ لكنّني أدعوك أن تتمهّل معي قليلًا، فما سأكشفه لك في هذه الصفحات قد يقلب قناعتك رأسًا على عقب: التنفيسُ لا يُطفئ نار الغضب، بل كثيرًا ما يزيدها اشتعالًا.
تعالَ نمشِ معًا في هذه الرحلة: من أين جاءت فكرة التنفيس، وماذا كشفت أضخمُ دراسةٍ أُجريت حتى اليوم، ولماذا يخدعنا هذا السلوك، وما الذي يُطفئ الغضب حقًّا. أعِرني انتباهك، فالأمر يستحقّ.
ولأنقلك من الفهم إلى العادة، احمل معك هذه المبادئ الأربعة:
أين تتسلّل هذه الأسطورة إلى حياتك؟
قد تظنّ أنّ «غرف الغضب» شأنٌ لا يعنيك. لكن دعني أسألك بصدق: ألا تفعل الشيء نفسه في يومك دون أن تنتبه؟- خلف المقود: تضغط البوق بعنفٍ وتصرخ في سيّارتك، فتشعر بارتياحٍ لحظيّ — ثم تكتشف أنّ توترك ازداد لا نقص.
- في خلافك مع زوجتك: ترفع صوتك «لتُخرج ما في داخلك»، فتشتعل المواجهةُ بدل أن تهدأ.
- في عملك: تُعيد شكواك من مديرك مرّةً بعد مرّة، فيزداد سخطك رسوخًا كلّما كرّرتها.
- مع أبنائك: تنفعل بصوتٍ عالٍ ظنًّا أنك «تُفرّغ»، فتُعلّمهم من حيث لا تدري أنّ الصراخ هو لغة الغضب.
- على هاتفك: تكتب ردًّا غاضبًا لتُريح صدرك، فتُشعل حريقًا لا ينطفئ.
من أين جاءت فكرة «التنفيس»؟
دعني آخذك إلى جذور الحكاية. الفكرةُ عمرها قرون. تحدّث أرسطو قديمًا عن «التطهير» في المسرح، ثم جاء التحليلُ النفسي في مطلع القرن الماضي ليصوّر لك نفسك كأنها غلّايةُ بخارٍ مضغوطة: يتراكم فيها الغضب حتى تنفجر ما لم تفتح لها صمّامًا. سمّوه «النموذج الهيدروليكي». ومن هنا وُلدت النصيحةُ التي ورثناها جميعًا: أفرِغ الضغط قبل أن ينفجر. فصار الناس يضربون الوسائد، ويصرخون، ويحطّمون، وهم مطمئنّون أنهم «يتخلّصون» من غضبهم. لكنّني أسألك: هل عقلُك حقًّا غلّاية بخار؟ وهل الغضبُ سائلٌ محبوسٌ ينتظر التصريف؟ يوم وضع العلمُ هذا التصوّر على المحكّ، انهار أمام عينيه.ماذا كشف العلمُ الحديث؟
في عام ٢٠٢٤، فعل باحثان من جامعة ولاية أوهايو — سوفي كيارفيك وبراد بوشمان — ما لم يجرؤ عليه كثيرون قبلهما: جمعا ١٥٤ دراسةً شملت أكثر من عشرة آلاف مشارك، وأخضعا الفكرة كلّها لمحاكمةٍ علمية دقيقة، ونشرا نتائجهما في دورية Clinical Psychology Review. دعني أبسّط لك ما بنيا عليه: كلُّ انفعالٍ تشعر به — ومن بينها الغضبُ — يتكوّن من شقّين؛ استثارةٍ في جسدك (قلبٌ يخفق، ضغطٌ يرتفع، عضلاتٌ تتوتّر)، ومعنًى تمنحه أنت لتلك الاستثارة. وأمامك بابان لتكسر الغضب: أن تُهدّئ الجسد، أو أن تغيّر المعنى. ولأقرّب لك الأمر أكثر: تخيّل قلبك يخفق بسرعة. خفقانٌ مجرّدٌ لا يقول شيئًا؛ فقد يكون خوفًا، أو حماسًا، أو غضبًا. أنت من يُلبسه المعنى. ولهذا تملك أن توقف الغضب من أيّ البابين شئت. قسّم الباحثان الأنشطة إلى نوعين، فاسمع الفرق:- أنشطةٌ ترفع استثارتك: أن تضرب كيس الملاكمة، أو تركض، أو تركب الدرّاجة، أو تسبح.
- أنشطةٌ تخفض استثارتك: أن تتنفّس بعمق، أو تتأمّل، أو تمارس اليوغا، أو تُرخي عضلاتك.
لماذا يخدعنا التنفيس؟
لعلّك تسألني الآن: إن كان التنفيس لا يُجدي، فلماذا أشعر بالراحة بعده؟ سؤالٌ ذكيّ، وفيه يكمن الفخّ تمامًا. حين تحطّم شيئًا أو تصرخ، يمنحك جسدك شعورًا لحظيًّا بالإفراج، يصحبه اندفاعُ الدوبامين — كيميائيّ المكافأة في دماغك. فيقرأ عقلُك هذه الراحة على أنها «نجاح»، فيرسّخ السلوك ويدفعك إلى تكراره. أنت لا تُطفئ غضبك، بل تدرّب دماغك على أنّ العدوان يُكافَأ. والأخطر أنّ التنفيس لا يُبقي العدوان فحسب، بل يُغذّيه. تخيّل أنّ كلّ غضبةٍ تشقّ في دماغك جدولًا صغيرًا؛ وكلّما فرّغتها بالطريقة نفسها، جرى الماءُ في المجرى ذاته فحفره أعمق، حتى يصير نهرًا يصعب أن تُحوّله. هكذا يتحوّل غضبُك العابر إلى عادةٍ راسخة — لا لأنّ حياتك ساءت، بل لأنك درّبت نفسك عليها. وبيني وبينك، ليست تلك الراحةُ التي تخدعك شفاءً، بل هي قيدٌ يشدّك إلى الحلقة من جديد.«لكنني يجب أن أعبّر عن مشاعري!»
هنا قد تعترض — ولك الحقّ: أليس كبتُ المشاعر ضارًّا؟ أوَليس التعبيرُ عمّا في داخلي مطلوبًا؟ نعم، لكن دعني أضع أمامك فرقًا دقيقًا طالما اختلط على الناس: التعبيرُ شيء، والتنفيسُ شيءٌ آخر تمامًا. التنفيس أن تُفرّغ استثارتك بجسدك — أن تصرخ وتحطّم وتُعيد تمثيل الغضب. أمّا التعبيرُ الواعي فأن تفهم غضبك وتصفه بكلماتك: لماذا غضبتُ؟ وأيّ حاجةٍ لي انتُهكت؟ وما الذي أريد أن أغيّره؟ لم يطلب منك العلمُ أن تكبت غضبك أو تتجاهله، بل أن تتأمّله لتفهم جذوره. الفرقُ أنّ التنفيس يُطعم النار، والتعبيرَ الواعي ينزع عنها وقودها. الأولُ يشحنك، والثاني يفهمك. فلا تكبت غضبك، ولا تُطلقه أعمى — بل اجلس معه بعقلٍ بارد.ما الذي يُطفئ الغضبَ فعلًا؟
وصلنا إلى ما تنتظره: ما الذي يُطفئ الغضب حقًّا؟ المفتاحُ — كما أثبتت الدراسة — أن تُبرّد جسدك لا أن تُفرّغه. وإليك ما أنصحك به، وتستطيع أن تبدأه اليوم بلا تكلفة:- التنفّس الحجابي البطيء: أبطئ نفَسك إلى نحو ستّ دوراتٍ في الدقيقة. أثبتت دراسةُ هيريرا وبلوم (٢٠٢٤) أنّ هذا الإيقاع يخفض الكورتيزول ويُهدّئ دماغك خلال أربع دقائق فقط. ضع يدك على بطنك، واجعل زفيرك أطول من شهيقك.
- اليقظة الذهنية: راقب غضبك كموجةٍ تمرّ، ولا تنجرف معها. لا تُقاومه ولا تُطعمه، بل امنحه مسافة.
- إرخاء العضلات: شُدّ عضلاتك ثوانٍ ثم أرخِها، من قدميك إلى وجهك. بهذا تُخبر جسدك أنّ الخطر قد زال.
- اليوغا الهادئة: حركةٌ لطيفة تُنزل نبضك وتوترك معًا.
- فسحة التوقّف: ابتعد عن الموقف دقائق قبل أن تتصرّف. لا تهرب، بل امنح استثارتك وقتًا لتهدأ قبل أن تقرّر.
- توقّف وسمِّ ما تشعر به: قل لنفسك «أنا غاضبٌ الآن». مجرّد أن تُسمّيه يبدأ التهدئة.
- أبطئ نفَسك: شهيقٌ لأربع، وزفيرٌ لستّ، كرّرها ستّ مرّات.
- أرخِ جسدك: افتح قبضتيك، وأنزل كتفيك، وفكّ إطباق فكّيك.
- أجّل قرارك: لا تردّ ولا تتصرّف قبل أن تهبط استثارتك.
التوصيات
| افعل | تجنّب |
| تنفّس ببطء، وأطِل زفيرك | تحطيم الأشياء و«غرف الغضب» |
| تأمّل وراقب الموجة دون انجراف | الصراخ ورفعُ الصوت |
| أرخِ عضلاتك، وخذ فسحة توقّف | الركض العنيف وقت الغضب |
| أعد تفسير الموقف بعقلٍ بارد | اجترار الإهانة وإعادةُ إشعالها |
- حين تشتعل: توقّف، ولا تتصرّف في ذروة الاستثارة.
- درّب التنفّس البطيء يوميًا: لا وقت الأزمة فقط، حتى يصير استجابةً تلقائية حين تحتاجها.
- بدّل سؤالك: استبدل «كيف أُفرّغ غضبي؟» بـ«كيف أُبرّد جسدي وأعيد تفسير الموقف؟».
- علّم من حولك: أنّ الهدوء ليس كبتًا، بل مهارةٌ تُكتسب بالتدريب.
